اسماعيل بن محمد القونوي

24

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

من اختيار التفتازاني فلذلك جاز أن يكونا محكوما عليها وما نقل عن السيد من أن جعلها محكوما عليها لا يقتضي كونها أسماء لأن الكلمات كلها متساوية الأقدام في جواز الإخبار عن ألفاظها حتى المهملات فهو مما فيه خدشة إذ صرح النحاة بأن الإسناد إليه من خواص الاسم وظني أن مختار المحقق التفتازاني هو الحقيق بالقبول وكذا الفعل المراد به الحدث مجازا اسم « 1 » لكونه مؤولا بالمصدر وألا يختل قولهم باختصاص الإسناد إليه بالاسم إلا أن يقال إن مرادهم بالاسم عام له ولما هو في حكمه والتأويل بالاسم لا يقتضي كونه اسما بل في حكم الاسم « 2 » وفي قوله والإسناد إليه إشارة إلى أن كونه فاعلا بهذا البيان كما أشرنا يرى المخاطب عنده والمراد نهي المخاطب عن الحضور عنده على آكد طريق وجه المبالغة هو وروده على سبيل الكناية كما ذكروا في قوله تعالى : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها [ طه : 16 ] إنه نهى الكافر عن أن يصد موسى عنها والمراد نهي موسى عن أن ينصد بصده تنبيها على أن فطرته السليمة لو خليت بحالها اختارها ولم يعرض عنها وأنه ينبغي أن يكون راسخا في دينه فإن صد الكافر إنما يكون بسبب ضعفه فيه فالمعنى كن راسخا في دينك وتصلب فيه حتى لا يرى الكفار فيك فتورا وضعفا فيه فيصير ما يرى فيك من الضعف سببا لإقدامه على صدك عنه قال صاحب ضوء المصباح هذه الواو تسمى واو الجمع وهو بمعنى مع لأن المعنى لا تأكل السمك مع شرب اللبن وله أن يأكل كل واحد منهما على حدة وليس له أن يجمع بينهما في واقت واحد وإن أردت أن يكفه عن كل واحد منهما قلت لا تأكل السمك وتشرب اللبن بالجزم والفعل بعدها مع أن المضمرة منصوب المحل على أنه مفعول معه كما في قولهم ما صنعت وأباك هذا فلا يذهب عليك أن المراد بلا تأكل المصدر على منوال أَ أَنْذَرْتَهُمْ [ البقرة : 6 ] وتسمع بالمعيدي حتى يكون المأخوذ منه أكل السمك وشرب اللبن فقط فإن المأخوذ لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن بل المقصود تمثيل مجرد ما فيه هجر جانب اللفظ ميلا إلى جانب المعنى مع قطع النظر عن أن يكون المأخوذ الحدث فقط أو مع أمر آخر بحيث يكون المعنى المأخوذ الممال إليه موافقا لمعنى أصل الكلام الذي أخذ هو منه لضرورة تصحيح أمر العطف إذ لولا هذا التأويل للزم من ظاهره عطف الاسم على الفعل بل عطف المفرد على الجملة لا محل لها من الإعراب أعني الجملة النهيية لكن جوز نظرا إلى مآل المعنى وكذلك جوز الإخبار عن الفعل نظرا إلى تأويله بالمصدر وإن كان بين القسمين بون فإن في الآية الحقيقة متروكة من كل وجه وفي مثال السمكة الجملة باقية على حالها مستعملة في معناه الحقيقي لكن المقصود أنها مهجورة عن الأصل نظرا إلى العطف لا نظرا إلى نفسها .

--> ( 1 ) قال قدس سره في حل قول الزمخشري فإن قلت الفعل ابدأ خبر لا مخبر عنه فكيف يصح الإخبار في هذا الكلام قلت هو من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى وقد وجدنا العرب يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلا بينا من ذلك قولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل لا تأكل السمك وشرب اللبن معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن ولو أجري على ظاهره لزم عطف الاسم وهو تشرب المنصوب على الفعل بل المفرد على جملة لا محل لها من الإعراب انتهى فأطلق الاسم على الفعل المؤول بالمصدر كما فهم من الكشاف أيضا فتدبر فإن العقل يتحير . ( 2 ) الفعل المراد به الحدث هل يخرج من كونه فعلا أم لا يخرج إذ الاعتبار بالوضع ولا وضع في المجاز فلا يتصف اللفظ بالنسبة إليه بالاسمية والفعلية والقول بأنه موضوع له بالوضع النوعي مجرد اصطلاح .